زيارة ميدانية إلى المقبرة الشيخ عمر السهروردي (الوردية)

        قام أ.د. سعدي ابراهيم الدراجي رئيس قسم العلوم الصرفة في مركز احياء التراث العلمي العربي / جامعة بغداد يوم الخميس الموافق 25 / 2 / 2021 بزيارة ميدانية الى مقبرة الشيخ عمر السهروردي بقصد توثيق ودراسة الآثار الباقية في هذه المقبرة، والوقوف على أهم الشواهد والاضرحة التي مازالت قائمة هناك. والزيارة تاتي ضمن النشاطات العلمية التي يرعاها مركز احياء التراث، والتي تنجز عادة بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية ذات العلاقة، لتقديم مادة علمية تسهم في الحفاظ على الموروث الثقافي لمدينة بغداد.   ومن المعروف أن هذه المقبرة تقع في الجانب الشرقي، بجوار سور بغداد وتحديداً قرب الباب الوسطاني أو باب الظفرية، وكانت تسمى في العصر العباسي ب(الوردية) وقد عرفها ياقوت الحموي “مقبرة ببغداد بعد باب أبرز من الجانب الشرقي قريبة من باب الظفرية”. ثم تغير اسمها إلى مقبرة الشيخ عمر، نسبة إلى الشيخ الجليل عمر السهروردي (ت632هـ)ويبدو أن اسم الوردية ليس له علاقة بعمر السهروردي كما ضن بعضهم، لان ثلة من علماء ومشاهير القرن السادس الهجري كانوا قد دفنوا فيها. كما دفن فيها الكثير من العلماء والفضلاء والأشراف في العهد العثماني، ومعظم قبورهم كانت في صحن الجامع أو خارجه، وعددها يربو على المائتين، وقد سويت تلك القبور مع الارض وقلعت شواهدها ومسنماتها عند تعمير الجامع في عام (1341هـ / 1922م). ومعظمها كان قد تأثر في فيضان عام (1914م).

         من المعروف أن مقبرة الشيخ عمر قد تعرضت في مطلع عقد الثمانينيات من القرن المنصرم الى تجاوزات كبيرة بسبب استحداث الطريق السريع المعروف بـ (طريق محمد القاسم) الذي آتى على المقبرة وشطرها إلى نصفين، مما أدى بطبيعة الحال إلى مسح وتهديم ألاف القبور وجرفها مع بعض الاضرحة المؤكدة بأبنية وقباب. وبعد هذا التاريخ توسع الشطر الغربي وأصبح مربع الشكل محاطاً بسياج من البناء ومساحته اليوم تبلغ حوالي (50.600م2)، إذ يمكن رؤية شكل المقبرة اليوم والوقوف على صورتها الحقيقية، عن طريق الصور الملتقطة لها بواسطة الأقمار الاصطناعية. أما الشطر الآخر الواقع شرق الطريق السريع والملاصق للباب الوسطاني فقد بقيت أجزاء منه محافظة على أصالتها، بسبب عزوف الناس عن دفن موتاهم في هذا المكان، أو منعهم من قبل الجهات ذات العلاقة، ولاسيما في المواضع القريبة من الباب الوسطاني بوصفها منطقة آثرية. والدفن بجوار السور على الارجح قديم يسبق العصر العثماني بدليل توالي القبور فوق بعضها البعض، وارتفاعها عن مستوى الارض المحيطة بها أمتار عدة، ومعظم القبور القديمة في هذا القسم أزيلت بسبب مرور الطريق السريع (محمد القاسم) المعلق فوق المقبرة. ولم يبق اليوم من المقبرة القديمة إلا جزء بسيط في موضعين فيهما مجموعة من القبور تركت مرتفعة بجانب الباب الوسطاني. وعند الكشف عنها أثناء المسح الميداني تبين بأنها تحتفظ ببعض الاضرحة وشواهد قبور قليلة من العصر العثماني وبداية العهد الوطني، وقد سعينا الى توثيقها بشكل علمي لأننا نخشى غيابها كما غابت مثيلاتها من قبلُ.  

مقبرة الشيخ عمر السهروردي مؤرخة في 2 . 5 . 1924

إن أشهر من دفن بالوردية أبو حفص شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في سنة (632هـ)، جاء إلى بغداد وهو في السادسة عشر من عمره، تعلم فيها حتى أصبح فقيها يتصدر مجالس العلم، وشهرته كانت عظيمة عبر مجالس الوعظ  فلقب بشيخ الشيوخ، وله تصانيف كثيرة في الزهد والتصوف. وقد بنى له الخليفة الناصر لدين الله رباطا في بغداد وأصاب حظوة لديه فجعله سفيرا له إلى الملوك والأمراء. قال عنه إبن خلكان (ت681هـ) “كان فقيها شافعي المذهب وشيخاً صالحاً ورعاً، كثير الاجتهاد في العبادة والرياضة وتخرج عليه خلق كثير في المجاهدة والخلوة…. وعقد مجلس الوعظ سنين، وكان شيخ الشيوخ ببغداد، وكان له مجلس وعظ وعلى وعظه قبول كثير”. وقال عنه ياقوت الحموي (ت626هـ) “قدم بغداد ونفق فيها سوقه ووعظ الناس وتقدّم عند أمير المؤمنين الناصر لدين الله حتى جعله مقدّما على شيوخ بغداد وأرسله في الرسائل المعظمة وصنّف كتابا سماه عوارف المعارف، وروى الحديث عن عمّه أبي النجيب وأبي زرعة”. أما بشأن بناية ضريح عمر السهروردي نستشف من بعض المصادر التاريخية أن ضريح السهروردي المتوفى في سنة (632هـ / 1235م)، قد شهد تعميرا بُعيد وفاته، بيد أن تلك المصادر قد سكتت عن وصف ذلك البناء. ثم جرى تجديده في العهد الايلخاني على يد الوزير غياث الدين محمد بن رشيد في سنة (735هـ / 1334م)، وقد بنى عليه قبة بطرازها المعروف عند العراقيين بالميل، كما هو مثبت في الكتابة المنقوشة بخط الثلث على واجهة المدخل. والحقيقة أن القبة المقرنصة تبدأ من فوق القاعدة المربعة التي يربو ارتفاعها (11م)، ويعلو القاعدة المربعة منطقة انتقال مثمنة الشكل معززة بثمانية عقود مدببة مزودة بعدد من النوافذ. ومن الواضح أن صفوف المقرنصات العشرة تنطلق من فوق الشكل المثمن، وتتناقص كلما ارتفعت الى الاعلى لترسم هذا الشكل المخروطي الذي ينتهي بدائرة صغيرة تعلوها قبيبة متوجة بسفود في راسه هلال، تحته كرات معدنية.  إن المقبرة اليوم بحاجة الى رعاية من الجهات المختصة ومن أهمها الهيأة العامة للاوقاف، والهيأة العامة للآثار والسياحة، وكذلك أمانة العاصمة. إذ من الضروري تنظيفها وتسيجها لمنع التجاوزات عليها، والعمل على صيانة المتهدم منها ولا سيما الاضرحة المسقفة بقباب صغيرة. وترميم بعض الشواهد الرخامية القديمة فيها.  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مركز احياء التراث العلمي العربي مركز يعنى بالتراث العربي

Leave A Reply